مكتبة مركز الخليج الإسلامية




روائع الأسحار

أيها الأخوة والأخوات..
قيام الليل من أفضل الطاعات وأجلّ القرابات بعد الصلاة المفروض كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل). كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة

وقد أقر عيني سفر جميل وقفت عليه منذ سنين جمع صاحبه أخبار المتهجدين وحكم وأحكام القائمين.. فألفيته بستان للعارفين مليء بالأزهار والأفانين..
والليلة أقطف لكم بعض الثمار والأزهار من حلية الأسفار رهبان الليل..
جزى الله صاحبه خير الجزاء وجعلنا وإياه من مفاتيح الخير..

والحديث عن قيام الليل والأسحار لا يكون له وقع وآثار إلا إذا كان من الكبار أهل العزائم  والاستغفار.. كما قال ابن القيم رحمه الله:
"أما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولاً من وصف حالهم وعدم الاتصاف به بل ما شممنا له رائحة ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم  والعلم بها وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم..." إلى آخر كلامه رحمه الله..

هذا ابن القيم رحمه الله يقولها تواضعاً واتهاما للنفس وهو من هو في التهجد والتقرب بأنواع الطاعات..
أما أنا  فيعلم الله بين نارين.. إن سكت عن الاعتذار فقد لبست ثوباً ليس لي وإن تكلمت وأحسنتم الظن وقلتم تواضعاً واتهاما للنفس..
فوالذي نفسي بيده ليس هذا ولا ذاك.. فأنا أحوج ما يكون إلى مثل هذه الكلمات خاصة قيام الليل.. ورياح الأسحار ففاقد الشيء لا يعطيه..
وكنت سأقصرها على نفسي لولا اصرار بعض المحبين وتحريج الجادين ثم إني تذكرت أجر التبليغ والتذكير وأنه قد يجبر التقصير..
وأنست بقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
فاقبلوها مني فإني أحب لكم يعلم الله ما أحب لنفسي..أسأل الله أن يرزقنا حبه وحب من يحبه..

يا حبيب القلوب أنت حبيب            أنت أنسي وأنت مني قريب
                              يا طبيبا بذكــره يتــــــداوى            كل ذي علة فنعم الطبيــــب
طلعت شمس من أحبك ليــلاً            واستنارت فما تلاها غروب
إن شمس النهار تغرب بالليل            وشمس القلوب ليس تغيــب
فإذا ما الظلام أسبل ستــــــراً            فإلى ربهــا تحـــن القلـــوب


الأسحار: جمع سحر وهو آخر الليل قبيل الصبح.. وقيل هو ثلث الليل الأخير إلى طلوع الفجر..
وقيل السحرة هي الساعة التي تفتح فيها أبواب الجنة.. نسأل الله الكريم الجنة

قلت لليل هل بجوفك ســـــر            عامر بالحديث والأســــــرار
قال لم ألقى في حياتي حديثاً             كحديث الأحباب في الأسحار

قال القاسمي في محاسن التأويل أن الزمخشري قال في أساس البلاغة:\"إنما سُمي السحرة استعارة لأنه وقت ادبار الليل واقبال النهار فهو متنفس الصباح\"..
الأسحار.. وقت سكون الليل وخلو البال يجتمع فيه القلب وتسمو فيه الروح وتصفو في النفس ويهدأ فيه الصوت..
سل الليل عن الأحباب فعنده الخبر.. فلا تسمع إلا همسات المحبين وأزيز الخاشعين وأنين التائبين وآهات المذنبين..

الأسحار.. أفضل الأوقات للتطوع بالصلاة وأقرب ما يكون العبد من ربه وهي وقت الذكر والصفاء وفتح أبواب السماء واستجابة الدعاء ووقت الشوق والحنين..ورفع حوائج المسلمين لمالك يوم الدين وهي وقت نزول الرحمة وحضور الملائكة..ووقت التنزل الإلهي..

نحن الذين إذا أتانـــا سائـــــــــل            نوليه احساناً وحسن تكرم
ونقول في الأسحار هل من تائب            مستغفر لينال خير المغنـم

الأسحار.. أيها الأحبة هي نعيم الدنيا وبهجتها.. نعم والله هي نعيم الدنيا وبهجتها فهي المنهج العدل للصالحين وهي المورد الزلال للمتقين وفي الزهد لأحمد بن حنبل أن داود سأل جبريل فقال: (يا جبريل أي الليل أفضل فقال: داود، أو قال: يا داود ما أدري إلا أنا العرش يهتز من السحر)..
وروي أن يعقوب عليه السلام لما قال له أبناءه: استغفر لنا.. أخرهم إلى السحر بقوله: (سوف أستغفر لكم ربي)..
قال سفيان:"إن لله ريحاً مخزونة تحت العرش تهب عند الأسحار فتحمل الأنين والاستغفار"..

يا طيب مأكلهم وطيب مشربهم            وطيب ما نزلوا وطيب ما ساروا
هو اللذاذ وإن عزت مطالبـــــه            وهي الأماني وإن شطت به الدار
إن ينطقوا فتلاوات وأذكـــــــار            أو يسكتوا فاعتبارات وأفكـــــــار
حــدّث حديثهـــــم لله درهـــــم             ففي حديثهـــم شـــــرب واسكــار


روائع الأسحار.. حديث عبير كلماته من نسيم السحر وأريج ألفاظه من أنفاس المتهجدين..

أتاك حديث لا يمل سماعــــه            شهي إلينـــا نثـــره ونظامـــــه
إذا ذكرته النفس زال عناؤها            وزال عن القلب المعنى ظلامه

معاشر القائمين والقائمات..
إننا لنعجب لحالنا هذه الأيام ولم يمض على رحيل رمضان سوى ليالي وأيام، فتور عجيب وضعف غريب ففي رمضان كنا نصلي الليل ساعة وساعتين وثلاث.. ونصلي إحدى عشر ركعة وثلاث وعشرين، وفي هذه الأيام نجاهد أنفسنا على الركعة والثلاث والخمس وننقرها نقر الغراب!

الخير بادي فيك والإحسان       والذكر والقرآن يا رمضـــان
والليل فيك نسائم هفهافــة        حنت لطيب عبيرها الرهبان


أيها الأخوة والأخوات..
أن نصاب بالفتور والضعف في بعض الأحيان وخاصة بعد النشاط أمر طَبَعي وأمر جبلي في النفس..
كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن لكل عمل شِره والشِرة إلى فتره فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ظل) كما في المسند لأحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع.

وكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الفتور كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم)..
وفي البخاري من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم كثيراً يقول: (اللهم إني أعوذ بك الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال)..

ولو نظرنا لحالنا في رمضان ورجعنا بالذاكرة إلى الوراء قليلا وخاصة في العشر الأواخر منه وفي ثلث الأخير من الليل..يخرج المسلمون من بيوتهم في ظلمة الليل يتسابقون لبيوت الله..هجروا الفراش ولذة النوم..
نعم.. قمتم وتوضأتم فأسبغتم الوضوء رغم لفحات ليالي الشتاء التي مرت وكأن لسان حالكم يقول: نتدفأ بحرارة الإيمان ونتدثر بلباس التقوى..
صفت نفوسكم وحنت قلوبكم واشتاقت أرواحكم للقاء الحبيب.. نصبتم لله أقدامكم واستفتحتم صلاتكم.. كما كان يقول حبيبكم صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام من الليل يتهجد: (اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض  ولك الحمد أنت الحق  ووعدك الحق ولقاءك حق وقولك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد صلى الله عليه وسلم حق والساعة حق..اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت)..

بمثل هذه الكلمات وبمثل هذه المناجاة تحن القلوب إلى مولاها وتشتاق للسهر.. اعتراف وإقرار وتمثيل وإنكسار

فياعاذل بالأسحارلا تعذل المشتاق في أشواقه..
حتى يكون حشاءك في أحشاءه..

ثم يشرع الإمام ليشق سكون الليل بصوته الرخيم ويرتل القرآن فتقفون عند عجائبه وزواجله وتتحرك به القلوب فبين خاشع وباك ومتأوه وشاك.. ثم تركعون للعظيم فتناجونه بالتعظيم بقلوب كسيرة ونفوس فقيرة..
(اللهم لك ركعنا وبك آمنا ولك أسلمنا وعليك توكلنا أنت ربنا خشعت أسماعنا وأبصارنا ودماءنا ولحومنا وعظامنا وعصبنا لله رب العالمين) كما في صحيح مسلم.

فلا إله إلا الله ما أطيب هذه الكلمات  وما أجمل هذه المناجاة حتى الدماء واللحوم بل حتى الأعصاب والعظام خشعت لله رب العالمين..
لم يعد الخشوع في القلب فقط بل سرت المحبة في الأجزاء كلها فلم يبقى فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب
خالط القرآن اللحم والدم فاستنار القلب وانشرح الصدر..

وكلهم بات بالقرآن مندمجا            كأنه الدم يسري في خلاياه
فالأذن سامعة والعين دامعة           والروح خاشعة والقلب أواه

ثم تأتي لحظات السجود.. للواحد المعهود.. فيالها سجدة ما أشرفها من سجدة فهي لب القيام كيف لا وهي ساعة القرب من الرب.. كما قال خير الساجدين صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء) كما في صحيح مسلم..

فسجد خاضعاً خاشعاً ذليلاً منكسراً يذكر محبوبه ويتوجه إليه ويستعطفه ويتملق بين يديه..
(سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، وأبوء بنعمتك علي، هذي يدي وما جنيت على نفسي) كما كان صلى الله عليه وسلم يقول كما في البزاري والحاكم..

عذراً أيها الأحبة.. فلا أستطيع وصف حال الساجدين في الأسحار فما يذاق بالقلب لا يمكن أبداً وصفه باللسان وعبارة النسيم لا يفهمها إلا المشتاق.. لكن لو رأيتهم وهم سجود والخدود شهود.. فقائل لا أعود.. وقائل هل تجود؟ وقائل هل أنا مطرود؟ وقائل كيف الورود؟

تأله قلبي لما سجــــــدت            أهيم بمحراب خير الأنــــــــام
وأرسل من شفتيه الدعاء            وجيباً وفي السمع سجع الحمام
وفي أعيني من سنــا الله            برق يحس ولكنه لا يشــــــــام
له في خلاياي دفع ورفع            إلى شرفات حماً لا يـــــــــرام
أغيب كمن نام في نشـوة            ونفسي عيونها ولى تنـــــــــام
وأشعر أن كياني تمــــدد            حتى تخطى الدنا والحطــــــام
أقول سموت وفوق السمو           أقول ثملت وما من مُــــــــدام
أقول ارتويت أجــــــل لا           وكيف ارتويت وكلــــــي أوام
ألا إنها نعيمات التجلــــي           هياب سجود يفوق الهيـــــــام
فسبحانك الله ملئ الوجـود           وملئ السجود وملئ القيـــــام


ثم تأتي لحظات السحر الأعلى، قبيل الآذان وهي ما بعد الصلاة، فإذا صلى جلس مطرقاً بين يدي ربه هيبة له وإجلالاً، واستغفره استغفار من قد تيقن أنه هالك إن لم يُغفر له ، إن لم يَغفر له ويرحمه ولسان حاله يقول: إلهي انصرف الناس إلى خدورهم فخلا كل خليل بخليله يناجيه وبقيت أنا أناجيك وأنا أحبك وأحب من يحبك، فأنت عندي كروحي بل أنت منها أحبُ حسبي من الحب أني بما تحب أحب..
هكذا كان حالنا في رمضان مع قيام الليل وفي العشر الأواخر..

وفي لحظات الأسحار.. هكذا ذقنا حلاوة القيام، وذقنا روعة المناجاة في الأسحار.. ولنا في رمضان دروس وعبر يجب أن لا تنتهي بنهايته بل هي وقود وزاد للمسلم في العام كله..

وروائع الأسحار.. روائع الأسحار ليست خاصة في رمضان بل هي والله على الدوام هذا القرآن يذكر لنا صورة من روائع الأسحار فيقول الحق عزوجل: (إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم)..
تأمل هذه الآيات، سورة جميلة، سورة جميلة لأهل الأسرار في الأسحار، فهم ينامون قليلاً ويتهجدون كثيراً ومع ذلك يستغفرون وكأنهم مجرمون لكنه اتهام النفس، واستصغار العمل، فاالمخلص لا يرضى بشيء من عمله، وفي هذا من الافتقار والانكسار، للعزيز الغفار، ما يملأ القلب سعادة وانشراح، ويعجز عن وصفه اللسان..

لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا            وقمت أشكو إلى مولاي ما أجدوا
وقلـت يا عدتي في كل نائبــــــــــة            ومن عليه لكشف الضر أعتمدوا
أشكــــو إليك أموراً أنت تعلمهـــــا            مالي على حملها صبر ولا جلدوا
وقد مددت يدي بالذل معترفـــــــــا            إليك يا خير من مُدت إليه يـــــــدُ
فلا تردنهــــــا يا ربي خائبـــــــــة            فبحر جودك يروي كل من يردوا

صورة أخرى أيها الأحبة من روائع الأسحار.. يصورها لنا القرآن، قال تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون)..

المضاجع في الليل تدعو الجنوب للرقاد، وللراحة وللذة النوم، ولكنهم هجروا الفرش خوفاً وطمعاً فيأتي فضل الله وكرمه (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، جزاء بما كانوا يعملون)..
لكن كما قال ابن عباس:"الأمر أجل وأعظم من أن يعرف تفسيره"، ويقول ابن القيم رحمه الله: "تأمل كيف قابل ما أخفوه من قيام الليل بالجزاء الذي أخفاه لهم مما لا تعلمه نفس، وكيف قابل قلقهم وخوفهم واضطرابهم على مضاجعهم حين يقومون إلى صلاة الليل بقرة الأعين بالجنة".. أسأل الله الكريم من فضله..

ومن روائع الأسحار.. قول أبي بكر ابن عياش، قال: سمعت أبا اسحاق السبيعي يقول: \"ذهبت الصلاة مني وضعفت ورق عظمي وإني اليوم أقوم في الصلاة فما أقرأ إلا بالبقرة وآل عمران\"..
لا إله إلا الله.. لما كبر سنه ورقَ عظمه لم يعد يقدر على القيام في الليلة الواحدة إلا بنحو أربعة أجزاء..!
وكان رحمه الله قد ضعف عن القيام فكان لايقدر أن يقوم إلى الصلاة حتى يقام، فإذا أقاموه فاستتم قائماً قرأ ألف آية وهو قائم..
همم الأحرار تحيي الرمم            نفحة الأبرار تحيي الأمم

إن حياة النفس.. اسمعوها أيها الأحبة \"إن حياة النفس في السمو ونجاتها في العلو، ومثل القلب مثل الطائر كلما علا بَعُـد عن الآفات وكلما نزل احتوشته الآفات\" كما يقول ابن القيم رحمه الله..

ومن روائع الأسحار أيضاً..
حديث أم سعيد بنت علقمة الطائية قالت: \"كان بيننا وبين داوود الطائي جدار قصير فكنت أسمع حنينه عامة الليل لا يهدأ، ولربما ترنم في السحر بشيء من القرآن، فأرى أن جميع نعيم الدنيا جمع في ترنيمه تلك الساعة..وكان لا يسرج\" أي كان يصلي في الظلام..
وهذا سفيان الثوري إذا أصبح مد رجليه إلى الحائط ورأسه إلى الأرض كي يرجع الدم إلى مكانه من طول قيام الليل..
وكان يقول: \"إذا جاء الليل فرحت وإذا جاء النهار حزنت\"..

وكيف لا يعشقون الليل وفيه ينزل الرب، وصلاة الليل والناس نيام هي طريقهم إلى الجنة بسلام بل هو موعدهم وموعد لذتهم وأنسهم ولقائهم بالحبيب.. يقول:

حبيبي أنت سؤلـــــي وبغيتـــــــــي            كفى بك للراجين سؤلا ومغنم
ألست الــــذي غذيتنـــي وهديتنـــي            ولازلت مناناً علي ومنعــــــم
ففي يقضتي شوق وفي غفوتي منى            تلاحق خطوي نشوة وترنــــم

وصورة أخرى من روائع الأسحار..
يرويها لنا أبو سليمان الدارابي يقول: \"بينما أنا ساجد إذ ذهب بي النوم فإذا أنا بالحوراء قد ركلتني برجلها، فقالت: ياحبيبي أترقد عيناك والملك يقضان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم، بؤس لعين آثرت لذة نوم على مناجاة العزيز، قم فقد دنا الفراق ولقي المحبون بعضهم بعضا فما هذا الرقاد؟! حبيبي وقرة عيني أترقد عيناك وأنا أربى لك في الخدور منذ كذا وكذا..
قال أبو سليمان : فوثبت فزعاً وقد عرقت استحياء من توبيخيها إياي وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي\"..

إذاً فالمتهجدون تركوا لذة النوم بالليل والتمتع بالأزواج إلا ماشاءالله فعوضهم الله خيراً بالحور العين، قال عطاء السُلمي لمالك ابن دينار: يا أبا يحيا شوقنا قال: \"يا عطاء إن في الجنة حوراء، إن في الجنة حوراء يتباهى أهل الجنة بحسنها، لولا أن الله تعالى كتب على أهل الجنة ألا يموتوا لماتوا من حسنها\".. فلم يزل عطاء كمداً من قول مالك..
وعن يزيد الرقاشي قال: \"بلغني أن نوراً سطع في الجنة لم يبقى موضع في الجنة إلا دخل من ذلك النور فيه فقيل ماهذا؟ قال: جوراء ضحكت في وجه زوجها\"..
قال صالح المري: \"فشهق رجل من ناحية المسجد فلم يزل يشهق حتى مات\"..

فيا حسن عين بكت في جوف الليل من خشية الله، ومن لم تقر عينه بالله فلا قرة ومن لم يأنس به فلا أنس، قال الحسن ابن عرفه ليزيد ابن هارون: \"يا أبا خالد ما فعلت العينان الجميلتان قال: ذهب بهما بكاء الأسحار\"..

ومن روائع الأسحار.. ما ذكره ذلك التائب بعبارات جياشه ومشاعر صادقة ذكر أنه مدمن مخدرات وصاحب أسفار وشهوات وكل ما يخطر لك على بال هكذا قال وقال: طلب مني في يوم من الأيام زميل لي في الدراسة أن أوصله إلى منزله، ونسي أو تناسى معي شريط في السيارة، قال : سمعت الشريط فتحدث عن الاعتماد على الله وحسن الصلة بالله وأنه لا حول ولا قوة للنفس الضعيفة إلا بالله، قال: فقلب كياني وهز وجداني، فقد كنت أعتمد في كل ضيق وشدة على المخدرات حتى أصبحت هي ملاذي وملجأي، فمازلت مع نفسي أصارحها وألومها كيف أترك الله القاهر القوي القادر وأوي إلى هذا البلاء أي نفس أنت أيتها النفس مهينة حقيرة أسيرة لبضع حبيبات أوف ثم تف لك أيتها النفس، يقول: ثم أجهشت بالبكاء والندم والحسرة يأكلان قلبي، قال: فعاهدت الله من حينها أن أتوب وأن أكون صادقاً في توبتي واعتمادي على الله، كنت أنتظر الساعات على أحر من الجمر متى تغيب الشمس، متى يأتي الليل لأخلو بربي وأرفع أكف الضراعة إليه، قال: وفي تلك الليلة خرجت إلى الصحراء وقفت وحيداً في ظلمة الليل، الجبال والأشجار من حولي كأنها أشباح، النجوم تزين السماء وكأنها تراقبني، استقبلت القبلة، كبرت وأخذت أدعو ربي دعاء المستغيث، أتوسل إليه بأسمائه الحسنى تارة، وبرحمته تارة، يقول: أخذت أبكي وأتضرع إليه وأشكو إليه حالي وما وصلت إليه، وألح عليه بأن يرفع عني هذا البلاء وأن يشفيني ويعافيني، اعترفت له بذنبي وضعفي وذلي وفقري، وحاجتي فلم أشعر بنفسي إلا والفجر قد اقترب، فرجعت إلى البيت وجلست أنتظر الصلاة، فأخذتني اغفاءة فرأيت امرأة لم أرى في جمالها امرأة قط، وهي تقول لي: قم يا فلان، قم صل الفجر فأنت على خير، يقول: فقمت فزعاً وقد أحسست أني لبست جلداً غير جلدي الأول، وشعرت بانشراح في صدري وكأنني ولدت من جديد، يقول: فلم أعرف المخدرات بعد ذلك اليوم، وهاأنا أدخل امتحانات الجامعة ولأول مرة في حياتي معتمداً على الله وحده، وكلي أمل ويقين بتوفيق الله لي، فقد ذقت حلاوة الدعاء ولذة الاستجابة ولن أرضى بها بديلا... إلى آخر كلامه..
يقسم على هذا بالله العظيم مرات عديدة، وقد ذكر في قصته أشياء عجيبة، تركتها يعلم الله من باب حدث الناس بما يعقلون..
وأحسبه صادقاً ولا غرابة، فللأسحار أسرار، ألم يقل الرحيم الغفار: (هل من سائل فأعطيه، هل من داعٍ فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من مستغيث أغيثه، هل من مضطر فأكشف عنه) كما في الدار قطني..
يقول ذلك الرب جل وعلا في كل ليلة في ثلث الليل وحتى يطلع الفجر، (إن من الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى خيراً إلا أعطاه) كما في صحيح مسلم من حديث جابر..

ومثل هذا الشاب تلك الفتاة التي اسودت الدنيا بعينيها وانتهى الأمل بالنسبة لها كما تقول، لماذا؟ لأنها طلقت، قالت: وبدأت تبحث عن متنفس لهمومها وأحزانها، ففقدت المعين والصديق، وقد غفلت عن الركن الشديد ذي القوة المجيد، فانفرد بها الشيطان، ومازال يغريها ويزين لها ويملأ قلبها باليأس والقنوط، حتى أرسل لها جندي من جنوده، شاب وذئب من الذئاب، فمازال يواسيها بكلماته العذبة والتي تبطل العذاب ويدغدغ عواطفها بالآمال وذهاب الهموم والأحزان، حتى كاد أن يعصف بها لولا لطف الله وحفظه، فانتبهت فسألت واستفسرت، فقيل لها: عليك بالأسحار، وكثرة التوبة والاستغفار، وعليك بمناجاة الواحد القهار، وبث الهموم والأعذار والشكاية للعزيز الغفار، فعنده مفاتيح الفرج، فمن ذا الذي دعاه فرده، ومن ذا الذي رجاه فصده، فأين أصحاب الحاجات، أين المرضى؟ أين المضطرون؟ أين التائبون؟ أين أصحاب الهموم والآلام والمشاكل والأحزان، نعم.. أين هم عن ثلث الليل الأخير؟أين هم عن التضرع في الأسحار؟
فبدل أن تمتد أيديهم عن ذلة وصغار للمخلوقين والضعفاء (من نزلت به فاقه فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقت فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل) كما في حديث ابن مسعود عند أبي داوود والترمذي وقال عنه حسن صحيح غريب وصححه الحاكم ووافقه الذهبي..
أفلا يستحي العبد من ربه ومولاه وقد ابتعد عنه وعصاه وهو يقول: (ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخلين)..
فلماذا هذا التكبر والعناد؟ ولماذا الإصرار على الفساد فمن أراد دواء القلوب، اسمعوا من أراد دواء القلوب فليقم بالأسحار وليكثر من التوبة والاستغفار وجدّوا في الدعاء، فإنه من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له..
وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه رفعه، قال: \"يأتي عليكم زمان لا ينجو فيه إلا من دعا دعاء الغريق\" أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين..

ومن روائع الأسحار أيضاً.. ما قاله الهيثمي ابن جماز عن زوجته، اسمعوا كيف كن الصالحات، اسمعي يا أمة الله، اسمعي أيتها المرأة المسلمة، قال الهيثم ابن جماز عن زوجته: \"كان لي امرأة تقوم الليل، وكنت لا أصبر معها على السهر، فكنت إذا نعست ترش علي الماء في أثقل ما أكون من النوم، وتنبهني وتقول: أما تستحي  من الله، أما تستحي من الله إلى كم هذا الغطيط؟! فوالله إن كنت لأستحي  مما تصنع\"..
فلو كان النساء كما ذكرنا لفضلت النساء على الرجال..
(رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء.. رحم الله امرأة قامت من الليل وصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء) كما في أبي داوود والنسائي وابن ماجه..
وفي رواية: (إذا قام أحدكم من الليل فليوقظ أهله، فإن لم تستيقظ فلينضح على وجهها الماء)..
وعند أبي داوود وابن ماجه : (من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته، فصليا ركعتين جميعاً كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)..
ومن المواقف النبوية الظريفة، ما أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، قالت: فتحسست ثم رجعت فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، قالت: فقلت بأبي أنت وأمي إني لفي شأن وإنك لفي آخر)..
صور رائعة للحياة الزوجية، اسمعوها يا من تبحثون عن الحياة الزوجية والسعادة الزوجية..
صورة رائعة للحياة الزوجية، مليئة بالسعادة والتفاهم، والتعاون بين الزوجين، نذكر مثل هذه الصور ونقول: أين بيوت المسلمين منها اليوم؟
قال أبو الزناد: \"كنت أخرج من السحر إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فلا أمر ببيت إلا وفيه قارئ\"..
أما اليوم فنشكو إلى الله أحوال المسلمين فلا تكاد تمر ببيت في صلاة الفجر، إلا وتسمع غطيط أهله بالنوم، بعد سهر الليل على مسلسلات الحب والغرام وكلمات الفحش والإجرام، ليل صاخب ووجه شاحب وابتعاد عن الهدي الأول، نعم.. فإلى وقت قريب لم يكن ليل المسلمين هكذا بل كان ليل الآباء والأمهات والأجداد والجدات، ليل الصالحين والصالحات ليل الراكعين والراكعات، ليل الساجدين، ليل التائبين، ليل المستغفرين..
فماالذي دهانا ما الذي دهانا معشر البنين والبنات، سيئات وشهوات وقنوات ومسلسلات فيا عجباً لمن آثر الفاني الخسيس على الحق الباقي النفيس، وباع جنة عرضها الأرض والسموات بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات، فمالذي أصابنا أيها الأحبة؟! ما الذي أصابنا أيها الأخوة؟! ما الذي دهانا أيتها الأخوات؟!
سلمنا أنفسنا لأعدائنا طائعة مستكينة..

أيها الشباب والفتيات، أيها الآباء والأمهات..
إن قيام الليل ولحظات الأسحار هو الزاد الذي نحتاجه في مثل هذا الواقع، هو الدواء للقلوب القاسية الجامدة ولو لبضع ركعيات، ودقائق ولحظات، فهي علامة الخير وبداية الطريق ليتعود الناس على الصلة بالله..
أين أنتم أيها المحرومون يا من حرمتم أنفسكم روائع الأسحار، وجعلتموها مرتعاً لهتك الأستار، ومقاربة الحرام، تأملوا حال الناس في صلاة القيام في رمضان، وفي جلسة الاستراحة بالذات، فهذا يقرأ القرآن يرتله ترتيلا وهذا رافع يديه يدعو ربه ويرجوه، وآخر تجاهد عيناه الكرى، ورابع قبع في زاوية المسجد يبكي ويتضرع وكأنه قتل قتيلا، هذا يبكي لذنوبه، وهذا يندب لعيوبه، وهذا يتأسف على فوات مطلوبه، وذاك يعاتب نفسه على التقصير، وآخر يتفكر في هول المصير، وهكذا فهم في غاية الأنس وفي منتهى السعادة وفي منتهى اللذة، يعيشون في جنة الدنيا، يتفيأون ظلالها ويستنشقون نسائمها، نعم.. سل الليل عن الأحباب فعنده الخبر، وسل الأسحار عن الأسرار تظهر ما ستر، فأخبارهم أرق من نسيم السحر..
إذاً شتان بين البطال والأبطال، أيها الساهر على الخنا والغناء.. اسمع لروائع الأسحار، فقد ذكر الإمام أحمد في الزهد قال: \"تمثل محمد ابن نافع في السحر ببيت من الشعر، فرفع هرم ابن حيان، رفع عليه هرم السوط وجلده على الظهر، قائلاً له: أفي هذه الساعة التي ينزل فيها الرحمن ويستجاب فيها الدعاء، تتمثل بالشعر؟!\"..

رحمك الله يا هرم ابن حيان، فكيف لو رأيت أهل هذا الزمان، وهم يقلبون قنوات الشيطان في وقت نزول الرحمن وعلى مسمع من القريب والجار فما من ناصح ولا منكر، فأين أنت وأين صوتك وأين هؤلاء ممن يتلحفون بظلام الليل ويستترون عن أعين الخلق في التمتع بالمحرمات، بالمحرمات واللذات، فلا تهنأهم الشهوات إلا بالظلمات، ولا يطيب لهم اللقاء مع السُمّار إلا في الأسحار..
في ليلة عرضت وطال زمانهـــــــا            فالكل من أقطارها متباعــد
شهدت عليك بغفلة وبطالـــــــــــــة            كلن عليك بشؤنه متعاضــد
شهدت عليك بذلك زهر نجومهـــــا            والله ربك فوق ذلك شاهـــد
ياراقداً ملأ الكــــرى أجفانـــــــــــه            وإذا تيقظ فهو أيضاً راقدوا
هلا أفقت وفي شبابك فضلــــــــــة            والموت لم يفجأك منه رائـد
فاستدركن ما فات منك بتوبـــــــــة            منها عليك دلائل وشواهــــد
زفرات محزون وأدمـــع خائـــــف            قد شابهن دم بقلبك عاقــــــد
فاضرع لمن سلطانه لا ينقضي أبدا            وسيب عطائه متزايـــــــــد
فلعله يعطيكهـــــــا مقبولـــــــــــــة            ترقى بها ذاك الملى وتشاهد
ويعود مرُ العيش في مرضاتـــــــه            عذباً ويدنو من مناك مباعــد
وإذا أتتك من المليك عنايــــــــــــة            فالكل ساع في هواك وجاهـد

أين الغافلون اللاهون ليجاهدوا أنفسهم، وليذوقوا السعادة الحقيقية، وليعيشوا صفاء الحياة بصدق، نعم.. أنتم في لذة وشهوة وسعادة وأنس.. لكنها لحظات ثم تعقبها الغصص والآهات، والقلق والحسرات، فكم اعترف العُبّاد منكم..
نعم.. عُبّاد الهوى، فقالوا: نشعر باللذة وقت الوقوع بالمعصية، ثم قلق وهم وحسرات وغم، وخوف وندم، تردد واضطراب وحيرة، حتى وصل الأمر، لشيء لم نكن نعرفه في مجتمعاتنا الطاهرة، فكم أولئك الشباب والفتيات الذين قالوها والله بألسنتهم، وسمعناها منهم بأذاننا قالوا: نفكر بالانتحار، حاولت الانتحار، انتهت الدنيا بعيني، كل شيء أسود في حياتي..
فيا أخي ويا أخيتي هذه هي اللذة والسعادة التي تدعونها مليئة بالغصص، فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم، ويبكي إن دنوا خوف الفراق، فقبل اللقاء ترقب وحذر، وأثناء اللقاء خوف واضطراب، وبعد اللقاء ندم وحسرة، أين تلك اللذة المغصوبة، وأين تلك السعادة المزعومة من لذة المتهجدين، من لذة المتهجدين بالأسحار ومناجاتهم للعزيز الغفار، سجود وركوع، وبكاء ودموع، وخضوع وخشوع، ففي الأسحار للذكر فيها حلاوة، وللصلاة فيها خشوعها، وللمناجاة سحرها، إنها لتسكب في القلب أنساً وراحة، وسعادة ونورا..
عذراً أيها الغافلون.. عذراً فأنا أعرف أنكم لا تعرفون هذه اللغة وربما لم تسمعوا بكلماتها، فهي غريبة على قواميسكم، لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها، وكما قال أبو سليمان الداراني: \"لأهل الطاعة في ليلهم، ألذ من أهل اللهو بلهوهم\".. إنها جنة الدنيا، آهـٍ لو ذقتم حلاوتها وشعرتم بلذتها، سعادة لا تنتهي، ولذة لا تنقطع تلامس أوتار القلب فتتسرب لبقية الجوارح، تنسى معها التعب والنصب، إنه ليمر في القلب لحظات، أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي نعيم مقيم..
أعلمتم أن النسيم إذا ســـرى            حمل الحديث إلى الحبيب كما جرى
جهل الحبيب بأنني في حبهم            سهر الدجا عندي ألذ من الكــــــرى

قال عبدالله ابن وهب: \"كل ملذوذ إنما له لذة واحدة، إلا العبادة فإن لها ثلاث لذات، إذا كنت فيها، وإذا تذكرتها، وإذا أعطيت ثوابها..أما الشهوات فكلما تذكرها العبد فغصص وآهات وندم وحسرات\"..
فيا كل غافل ولاهي.. شتان بين ملاهي الشيطان وبين آيات الرحمن..
شتان بين السهر في الأسواق بيوت الشيطان، وبين السهر في المساجد بيوت الرحمن..

أخي الحبيب..
أفق من سكرة الشهوه..آه لو شممت رحيق الأسحار.. لاستفاق منك قلبك المخمور..
صاح الديك فلم تنتبه، وأعاد فلم تفق..
أخي الحبيب..
رياح الأسحار لا يستنشقها مزكوم غفلة.. فابسط لسان الاعتذار وأكثر من الاستغفار.. ولن تجد لهذا أرق من نسيم الأسحار فروائع الأسحار في  كل وقت وخاصة في رمضان، وفي مواسم الطاعات فنفحات الخير تناديك وترجوك لا تقتل الليالي ولا تفسد جمالي، واسمع لحديث حسن في الطبراني: (إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها.. تعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبكم منها لفحة لا يشقى بعدها أبدا)..

معاشر الإخوة.. معاشر الأخوات..
هذه روائع الأسحار شممنا شيئاً من نسيمها وذقنا شيئاً من حلاوتها في رمضان فهل ترانا نغفل عنها هذه الأيام، وقد ذقنا حلاوة القيام وهل نكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، فيامن كان له قلب فانقلب ويامن كان له وقت مع الله فذهب، قيام السحر يستوحش لك، قيام السحر يستوحش لك، صيام النهار يعاتبك..
عُبّاداً أعرضوا عنـــا            بلا جــرم ولا معنى
أسـأوا ظنهــم فينـــــا            فهلا أحسنـــوا الظنا
فإن خانوا فما خنـــــا            وإن عادوا فقد عدنـا
وإن كانوا قد استغنوا            فإنا عنهم أغنـــــــى

وصف شميط بن عجلان أبناء الدنيا فقال: \"دائب الجبنة، قليل الفطنة، إنما همه بطنه وفرجه، وجلده يقول: متى أصبح فآكل وأشرب، وألهو وألعب، ومتى أمسي فأنام.. جيفة بالليل بطال في النهار، ويحك ألهذا خلقت، أما بهذا أمرت، أم بهذا تطلب الجنة وتهرب من النار‍!\"
واسمع لعطاء ابن رباح يصف قيام الليل فيقول: \"محياة للبدن ونور في القلب وضياء في الوجه، وقوة في البصر والأعضاء، وإن الرجل إذا قام بالليل أصبح فرحاً مسرورا، وإذا نام عن حزبه أصبح حزيناً مكسورا كأنه فقد شيئاً وقد فقد أعظم الأمر نكعا\"..

فيا عبد الله ويا أمة الله..
انظر لقلبك في رمضان، وقد عمرته بالقيام، فلماذا تهد بالكسل بنيانه وتسقط بالملل إيوانه، فإن العين إذا عودتها النوم اعتادت وإذا عودتها السهر اعتادت، فتعلق بالليل فهو شافع مشفع، شافع مشفع تمسك بالبكاء فهو رفيق صالح، ادخل في زمرة المتهجدين ولو على وجه التطفل..
جاء رجل إلى محمد ابن سيرين، فقال له: \"علمني العبادة، فقال له ابن سيرين: أخبرني عن نفسك كيف تأكل، قال: آكل حتى أشبع، فقال: ذاك أكل البهائم، قال: كيف تشرب الماء؟ قال أشرب حتى أروى، قال: ذاك شرب الأنعام، اذهب فتعلم الأكل والشرب ثم تعال أعلمك العبادة!).

ولهذا قال بعض أهل العلم: أن دواء القلب بخمسة أشياء فتنبهوا لها..
دواء القلب بخمسة أشياء:
قراءة القرآن بتدبر، خلاء البطن، قيام الليل، التضرع عند السحر، مجالسة الصالحين..

فقم الليل واقرأ القرآن وتضرع عند السحر ولو بركعتين، فعن محمد بن مصرف قال: \"كان أبي يأمر نساءه وخدمه وبناته بقيام الليل، فيقول: صلوا ركعتين في جوف الليل فإن الصلاة في جوف الليل تحط الأوزار وهي من أشرف أعمال الصالحين\"..
وروى أحمد وأبو داوود من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت لعبدالله بن قيس: \"لا تدع قيام الليل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدعه وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً\"صححه الألباني كما في صحيح أبي داوود..
وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عبدالله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فتركه)..

أيها المبارك.. أيها القدوة يا شعلة الخير..
(لابد من قيام الليل ولو بقدر حلب الشاة) كما قال ابن سيرين رحمه الله..
فاعلم أخي الحبيب.. أن قيام الليل مدرسة يُدرس فيها الكثير من الدروس، ويتربى فيها الكثير من الناس، ويتخرج منها المخلصون الصادقون الصابرون، نعم.. يحملون فيها شهادة، النتائج فيها ظاهرة باهرة، فمن الإخلاص وحقيقته وآثاره وحلاوته إلى الصبر وتحمل الشدائد، إلى صدق اليقين والتوكل على الله إلى لذة الخلوة والمناجاة لله..
ومن العجائب التي يجب أن نتأملها، أن الله فرض قيام الليل على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه في أول البعثة وقبل أي فريضة، ثم خفف عنهم ذلك، قال عكرمه: \"لبثوا في ذلك سنة، فشق عليهم وتورمت أقدامهم، ثم نسختها آخر السورة قوله: (فاقرءوا ما تيسر منه)\"..

اسأل نفسك لماذا كل هذا؟‍
لتربية النفوس.. لإعداد النفوس، لتتحمل أعباء الرسالة والدعوة، وتأمل الإعداد النفسي في هذه الآيات..

بسم الله الرحمن الرحيم
(يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا)..

لماذا؟ كل هذا الإعداد، كل هذا الإعداد، لإعداد النفس للقول الثقيل الذي سينزل على محمد صلى الله عليه وسلم (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)..

إذاً فيا مصابيح الدجا، ويادعاة الخير.. كلما كان الرجل أكثر قياماً لليل كلما كان أكثر استعداداً لتحمل الشدائد، وأكثر جدية في حمل الرسالة، بل في صدق المبدأ والهدف والصبر عليه، ولذا قال صلى الله عليه وسلم لخديجة وهي تدعوه ليطمئن وينام، عند نزول هذه الآيات، قال لها: (مضى عهد النوم يا خديجة، مضى عهد النوم يا خديجة)..

نعم أيها الأخ.. لابد من سِنة الغفلة ومن رُقاد الغفلة ولكن كن خفيف النوم، وتخللُ الفترات بالسالكين أمرٌ لابد منه، فمن كانت فترته إلى مقاربة وتشديد ولم تخرجه من فرض ولم تدخله في محرم، رجي له أن يعود خيراً مما كان، ومع ذلك كله فعليكم بما تطيقون، فوالله (لا يمل الله حتى تملوا ولن يُنجي أحد منكم عمله، قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته، سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجه، والقصد القصد تبلغوا) كما في البخاري ومسلم..

نعم أيها الأخوة.. لابد من الغفلة ولابد من رقاد الغفلة، ولكن ليكن أحدنا خفيف النوم..

اصبر على مرض الإجلاج في السحر           وفي الرواح على الطاعات والبكر
لاتضجرنـــا ولايعجـــزك مطلبهــــــا            فالهم يتلف بين اليأس والضجـــــر
إني رأيت وفي الأيـــــــام تجربـــــــة            للصبر عاقبـــة محمــودة الأثــــــر
وقلّ من جــــــــد في أمـــــر تطلبــــه            واستصحب الصبر إلا فاز بالضفر


وأخيراً أيها الأخوة..
لماذا نقوم الليل؟ أو لماذا لا نقوم الليل؟ وهل سألنا أنفسنا هذا السؤال..
فالجميع يتمنى قيام الليل، خاصة إذا سمع أخبار الصالحين تحسر أن لو تشبه بهم، فماالذي يمنعنا إذاً..

سأل رجل الحسن البصري، فقال: \"يا أباسعيد أعياني قيام الليل، فما أطيقه، فقال: ياابن أخي، استغفر الله استغفرالله وتب إليها فإنها علامة سوء، وقال: إذا لم تقدر على قيام الليل ولا صيام النهار، فاعلم أنك محروم قد كبلتك الخطايا والذنوب\"..
وكان يقول: \"إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل\"..

فالسر في ضعفنا وفتورنا وكسلنا إذاً رغم حبنا لقيام الليل هي المعاصي والذنوب، نعم والله.. هي المعاصي والذنوب، قيدتنا وأسرتنا.. نستغفر الله ونتوب إليه منها..
ومن عرف الداء بحث عن الدواء، ودواء الذنوب الإقلاع والندم وكثرة التوبة والاستغفار، والانتصار على النفس..
نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين..
وفي الختام.. فإني أيها الأخوة أقول:
وصفت التقى حتى كأني ذو تقى            وريح الخطايا من ثيابي تعبق

فأخشى أن أكون كالشمعة تضيء للآخرين وتحرق نفسها، وكالإبرة تكسو غيرها وهي عُريانه، وقد تأملت كلاماً جميلاً في صيد الخاطر لابن الجوزي، يقول فيه: \"لقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مئتي ألف، وأسلم على يدي أكثر من مئتي ألف نفس، وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسير، ويَحُقُ لمن تلمّح هذا الإنعام أن يرجو التمام، وربما لاحت أسباب الخوف بنظري إلى تقصيري وزللي، يقول: ولقد جلست يوماً فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف وما منهم، ما منهم إلا قد رقّى قلبه أو دمعة عينه، فقلت لنفسي: كيف بك إن نجو وهلكتي؟!
فصحت بلسان وجدي: إلهي وسيدي إن قضيت علي بالعذاب غداً فلا تؤلمهم بعذابي.. صيانة لكلامك لا لأجلي.. لئلا يقولوا: عذّب من دل عليه.. إلهي قد قيل لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اقتل أُبي المنافق، فقال: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)  إلهي فاحفظ حسن عقائدهم بكرمك أن تعلمهم بعذاب الدليل عليك.. حاشاك ياربي من تكدير الصافي... إلى أن قال: إلهي فأنت أكرم الأكرمين وأرحم الأرحمين ، فلا تخيب من علق أمله ورجاءه بك، وانتسب إليك ودعا عبادك إلى بابك، وإن كان متطفلاً على كرمك، ولم يكن أهلاً للسمسرة بينك وبين عبادك، ولكنه طمع في سعة جودك وكرمك، فأنت أهل الجود والكرم، ولربما استحيا الكريم من رد من تطفل على سماط كرمه\"..
فأقول:
يا إخوتي ليس لي منكم سوى طلب            هل يخذلُ الأخ من في الله أخاه
إذا قرأتــــــم وصليتــــم صلاتكـــم            وقـــــام قائمكـــــم لله ناجـــــــاه
وهزت الأرض بالتسبيح سجدتــــه            وبللت وجهه بالدمـــع عينـــــاه
وراح يدعو بما يحلــــــو له طلبـــا            للحُسنيين بدنيـــــــاه وأخــــراه
فلا تخلوا أخاكم من دعاءكـــــــــــم            بظهر غيب وسترالليل ناجــــاه
ولتشفعــوا لي إلى ربي وربكـــــــم            وادعوا لعبدٍ لا تسركــه ربـــاه
ادعـــوه يمنحنـــي عـفـواً وعافيـــة            فليس أكرم منه في عطايـــــــاه
ادعـــوه يقبلنــــي في المخلصين له            من استقامـوا وقالوا: ربنـــا الله
وأنتـــم القول لا يشقــــى جليسكـــم            ومن شفعتم له يكرمه مــــــولاه

وفي الختام.. ومن روائع الأسحار..

الدعوات والنفثات والآهات التي تحملها رياح الأسحار وعبير رحيق الأزهار.. مناجاة المتهجدين لرب العالمين..
إليكم أيها الأحبة شيئاً منها، فكانوا يرددون ويقولون:

إلهنا بك تفرد المتفردون في الخلاوات، ولعظمتك سبحت الحيتان في البحار الزاخرات، ولجلالة قدسك اصطفقت الأمواج المتلاطمات، أنت الذي سجد لك سواد الليل وضوء النهار والفَـلكُ الدوار والبحر الزخّار والقمر النوّار، وكل شيء عندك بمقدار، سبحانك يا إلهي إذا ذكرنا خطايانا ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وإذا ذكرنا رحمتك ارتدت إلينا أرواحنا..

اللهم إليك قمنا نبتغي ما عندك من الخيرات، قمنا نتعرض لجودك، فكم من ذي جُرم قد صفحت عن جرمه، وكم من ذي كرب عظيم قد فرّجت له عن كربه، وكم من ذي ضرٌ كبير قد كشفت له عن ضره، فبعزتك ما دعانا إلى مسألتك وقد تجرأنا على معصيتك إلا الذي عرّفتنا من جودك وكرمك فأنت المؤمل لكل خير وأنت المرجو عند كل نائبة..
إلهنا أحلى العطايا في قلوبنا رجاءك، وأعذب الكلام على ألسنتنا ثناؤك، ربنا ما أحكمك وأجودك وأرأفك وأرحمك، وأعدلك وأقربك، وأعطفك وأكرمك، وأخبرك وأعلمك، ربنا ما أجزل عطاءك وأجلّ ثناءك، ربنا ما أعلى مكانك، وأعظم سلطانك، ربنا ما أعز ملكك وأتم أمرك، ربنا ما أوسع رحمتك وما أعرض جنتك..

إلهنا.. أنت الذي خلقتنا وفي الأرحام صورتنا، وللإسلام هديتنا، إلهنا.. بأي قدم نقف بين يديك وبأي لسان نعتذر إليك، وبأي عين ننظر إليك وأنت قد علمت سرائر أمرنا، وختمت على ألسنتنا، وأنطقت جوارحنا، فيا من أظهر الجميل وستر القبيح، يامن لا يؤاخذ بالجريرة ولا يهتك بالستر، يا غياث المستغيثين، ويا قرة أعين العابدين، ويا حبيب قلوب المتهجدين، ها نحن جئناك تائبين منكسرين خاضعين، فاقبل توبتنا، واستجب دعوتنا، وارحم عبرتنا وأقلنا عثرتنا، بفقرنا إليك وغناك عنا، بقوتك وضعفنا، وبعزك وذلنا إلا رحمتنا وعفوت عنا..

من كان يخشى الله جلّ جلاله            فليكثــــر العبرات في الخلوات
فلعله بعد التدثر والبكــــــــاء            أبدلــــت له العبرات بالحسنات
وتخفف الأوزار عن منشوره            يوم الحساب وموقف الحسرات


لا إله إلا أنت سبحانك إن كنا من الظالمين..
ربنا ظلمنا أنفسنا فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننا من الخاسرين..
ربنا ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت.. فاغفـر لنا مغفرة من عندك، وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم..

اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..

سبحانك اللهم وبحمدك.. أشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك

..................................................................

تفريغ الأخت /فتاة الإسلام جزاها الله خيرا



رابط ذو صله : http://www.islamdoor.com/Muhtesb/ashar.htm
القسم : الفقه
الزيارات : 1140
التاريخ : 8/4/2010
Powered by: Islamec magazine V6 bwady.com - nwahy.com

design by mashari alnoori