مكتبة مركز الخليج الإسلامية




النظافة في منظور النبوة قالاً وسلوكاً

أما بعد, فيا أيها الإخوة المؤمنون المسلمون:

كثر الحديث عن البيئة وعن ضرورة حمايتها ورعايتها, حمايتها من التلوث ورعايتها من أجل أن تكون بيئة نظيفة جيدة تناسب الإنسان حتى يكون فيها الإنسان ذا صحة جيدة أيضاً, والبيئة – في رأيي – بيئتان: بيئة مادية نحميها من الأوساخ المادية ومن التلوث المادي ونرعاها من أجل أن تكون بكل معنى الكلمة، لأن النظافة كما نردد هنا وهناك عنوان الحضارة, وهنالك بيئة معنوية يجب أيضاً أن نحميها من التلوث المعنوي، ينبغي أيضاً أن نحميها من التلوث الإباحي, من التلوث العهري، ومن التلوث السيء الذي يسيء إلى الإنسان في أخلاقه، فى تصرفاته، في سلوكه، في علاقاته. وعلينا أن نرعى البيئة المعنوية كما رعينا البيئة المادية من أجل أن تكون نظيفة، علينا أن نرعى البيئة المعنوية من أجل أن تكون طاهرة. فما أروع البيئة المعنوية الطاهرة، وما أروع البيئة المادية النظيفة, فما بين النظافة والطهارة، النظافة عنوان البيئة المادية، والطهارة عنوان البيئة المعنوية.

لذلك أحببت أن أستغل الخطبة هذا الأسبوع لأوجه النداء إلى أبناء وطني، وإلى أبناء بلدتي في حلب وفي كل سورية، أريد أن أوجه النداء إليهم من أجل بيئة مادية نظيفة، لأن الأوساخ كثرت, ولأن الناس ما عادت تهتم بنظافة الطرقات، وبنظافة البيوت، بل أضحى عنوان البلد عندنا اللانظافة، ولا أريد أن أقول الوساخة حتى لا أسيء ولو بل الكلام إلى واقعنا وإلى مدينتنا. أناشدكم وأدعوكم إلى يبئة نظيفة، إلى هواء نقي، إلى بلد ساكن آمن لا ضجة فيه ولا تلوث ولا أقذار, كما إنني أناشدكم وأدعوكم إلى بيئة معنوية طاهرة لا فساد ولا رشوة، لا عهر فيها ولا تسيب، لا مجون فيها ولا أجسام عارية. أدعوكم يا أبناء بلدي، لا سيما وقد أقبل علينا فصل الصيف وما منا إلا وسيشعر بهذا الذي أقول، سيحس وسيشعر بالوساخة المادية وكذلك المعنوية فهل من مستجيب إلى نظافة البيئة المادية وطهارة البيئة المعنوية ؟

أحببت في هذا الأسبوع أن أقرأ على مسامعكم وصايا سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يدعوكم إلى العناية بالبيئة المادية نظافةً، وإلى رعاية البيئة المادية أيضاً نظافة وتجنباً لكل ما يؤذيها من أوساخ وأقذار وإهمال. أحببت أن قرأ على مسامعكم هذه الوصايا وعنونت هذه الأحاديث والوصايا (النظافة في منظور النبوة قالاً وسلوكاً) فيا أتباع محمد عليه وآله الصلاة والسلام – كما قلت في أكثر من مناسبة – لو أن أنساناً أجنبياً جاء بلدنا وسأل عن دين أهلها ؟ وقال المجيبون: إن دين أهلها الإسلام. وسأل عن الإسلام وعما جاء به الإسلام من قيم وفضائل، لقال المجيبون: إن الإسلام دين النظافة، دين الحضارة، دين الأخوة، دين العلاقة الطيبة، دين الإخاء، دين الجوار، دين الهناء، دين السعادة، دين الاطمئنان، دين الأمان، دين الأمن، لقال المجيبون كذلك. لكن هذا الذي يسمع سيكون مستغرباً جداً، سيسمع أحاديث وآيات تحضّ على النظافة وتدعو إليها، لكنه لن يرى أثراً لها في الواقع، وما عليكم من أجل أن تصدقوا هذا الكلام إلا أن تمشوا في شوارعنا وفي أحيائنا وفي أسواقنا، فستجدون أن الإسلام لا يمكن أن يكون في كله أو في جزئه عنواناً لأسواقنا وأحيائنا وشوارعنا وسياراتنا وأدواتنا ووسائل نقلنا، فكل ذلك يجانب ويجانف الإسلام في تعليماته, ومن باب (فذكر) وها أنا اذكِّر ثانية وثالثة ورابعة حتى يتحول هذا التذكير وهذه الأحاديث التي نذكِّر بها إلى واقع وسلوك، وإلا فبيننا وبين الإسلام مسافات، ولا يمكن أن نقدم واقعنا على أنه واقع مسلم.

عن أنس رضي الله عنه كان يقول: "ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف النبي عليه وآله الصلاة والسلام، ولا شممت ريحاً قط أو عرقاً أطيب من ريح أو عرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم" رواه البخاري ومسلم.

وروى الترمذي عن سعد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن الله عز وجل طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود".

يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي يرويه الخطيب بسند حسن: "إن الإسلام نظيف، فتنظفوا فإنه لا يدخل الجنة إلا نظيف".

وروى الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم، وهو يوم الجمعة".

روى الترمذي بسند حسن قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "قصوا أظافركم، وادفنوا قُلاماتكم – أي أظافركم بعد أن تقصوها – ونقُّوا براجمكم – أي عقد الأصبع – ونظفوا لثاتكم – من الطعام – واستاكوا ولا تدخلوا عليَّ قُحراً – مصفرة أسناكم – بُخراً – منتنة أفواهكم".

إننا نلاحظ اليوم إهمالاً للفم، للأسنان، فشبابنا لا يُعنون بأسنانهم ولا يعنون بأفواههم أو يكاد حضورهم يكون منفراً، والمسلم من خلال نظافته التي دعاه إليها الإسلام لا يمكن أن يكون منفراً، بل هو عامل جذب واجتذاب لأنه نظيف الظاهر، طاهر الباطن.

روى أبو داود والترمذي أيضاً عن النبي عليه الصلاة وآله والسلام أنه قال: "عُرضت عليَّ أجور أمتي حتى القذاة – القشة الصغيرة من الأوساخ – يخرجها الرجل من المسجد" هذه لك فيها أجر.

وروى الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "عرضت عليَّ أمتي بأعمالها حسنها وسيئها، فرأيت في محاسن أعمالها إماطة الأذى عن الطريق، ورأيت في سيء أعمالها النخامة في المسجد لم تدفن".

وروى أحمد والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أمرنا رسول الله ببناء المساجد في الدور وأن تُنظف وتُطيب".

وروى ابن حبان في صحيحه أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام قال: "نحِّ الأذى عن طريق المسلمين" فما بالك بمن يضع الأذى في طريق المسلمين ؟! انظروا شوارعكم ما أكثر الأذى فيها، انظروا أحياءنا ما أكثر الأذى فيها، وبعد ذلك نذهب إلى المسجد زُرافاتٍ ووحداناً ثم نقول للناس: إن الإسلام دين نظيف ؟! صحيح إن الإسلام دين يحث على النظافة، لكننا أبداً في هذه القضية بعيدون عن الإسلام، ولا يمكن أن نُسمَّى مسلمين ما دامت حال شوارعنا وحال أحيائنا وحال أسواقنا وحال مقابرنا الحالة التي هي عليها، فليست هذه الحال بالحالة التي تدلل أنها حال قوم مسلمين.

روى الطبراني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسند حسن "من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم" سواء أكان هذا الإيذاء بالضجيج أو بالأصوات المرتفعة أو بالسهرات الفارغة أو بممارسة الهوايات المزعجة أو، أو... وهناك أشكال كثيرة للإيذاء إن أردتم التعرف عليها فامشوا في مناكب بلدنا وانظروها، فهي بيّنة جلية واضحة.

روى الطبراني والبيهقي بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من غسل سخيمته – شيئاً من أشياءه – على طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".

روى البخاري ومسلم أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام قال: "بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوك فأخّره، فشكر الله له فغفر الله له".

حدثتكم منذ أسابيع عن منظر يؤذيني ويؤذيكم، عن منظر سائق سيارة يقود سيارته العامة أو الخاصة وبيده سيكارة يدخنها أو لفافة تبغ كما يقال حتى إذا ما انتهى منها رمى بقيتها في الشارع هكذا وربما جاءت إلى إنسان فآذته، أو جاءت إلى زرع مُصفَرٍّ يستعد للحصاد فأحرقته أو جاورت مكان وقود فأشعلت النار فيه وأضرته.

روى النسائي أيضاً في سننه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" أتدرون كيف كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما يدخل إلى بيته ما الذي كان يفعله أولاً ؟ روى الإمام مسلم عن شريح بن هانئ قال: "قلت لعائشة رضي الله عنها بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبدأ إذا دخل بيته قالت: السواك" كان ينظف أسنانه وينظف فمه، لأنك عندما تكون خارج البيت ربما لامس فمك وأسنانك أشياء غير نظيفة فانبعث من فمك رائحة كريهة أتريد أن تقابل أهلك بهذا الفم الممتلئ غباراً والممتلئ أشياء وأشياء تضر بمن يقابل فهيا إلى غسل فمك وإلى تنظيف أسنانك حتى يصدر فمك كل رائحة طيبة. هكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لا أريد أن أسترسل في هذه القضية لكنني أقول عندما يسأل الواحد نفسه أو غيره: لم لا يستقبلني أهلي استقبالاً جيداً ؟ أظن أنه من بعض الجواب ما ذكرناه لأنك تدخل على أهلك ولا تحاول أن تراعي أهلك من حيث نظافتك، ومن حيث نظافة فمك، ومن حيث رائحتك، ولذلك ستكون بالنسبة لأهلك منفراً, هيا وكن جاذباً، هيا وكن عامل جذب لأهلك من خلال تمتعك بالنظافة والرائحة الطيبة وما إلى ذلك.

روى ابن السني بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن الله جميل يحب الجمال، إذا خرج أحدكم إلى إخوانه فليتهيأ في نفسه" فأين تهيؤك وأنت تريد المسجد ؟ وأين تهيؤك وأنت تريد أن تسهر مع أهلك ؟ وأين تهيؤك وأنت تريد أن تكون في جلسة مع أصحابك ؟ أراك لا تتهيأ إلا عندما تريد أن تذهب إلى مكان وأظن أن هذا المكان سيكون فيه إيذاء معنوي لك، وبالتالي فأنت تقدم له عكس ما سيقدمه إليك.

أخيراً روى الحاكم على شرط الشيخين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "أحسنوا لباسكم وأصلحوا رحالكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس".

أعود إلى البداية، البيئة بيئتان: مادية ومعنوية، أما عنوان البيئة المادية النظافة، فهيا إلى النظافة، وأما عنوان البيئة المعنوية فالطهارة من كل ما يسيء إلى أخلاق أمتنا، الطهارة من الدماء المراقة أو التي تراق، فالمجتمع الذي تُراق فيه دماء أبنائه مجتمع غير طاهر، لأن هذه الدماء تلوث البيئة المعنوية. لا نريد يا إخواننا، لا نريد ونرفض البيئة المعنوية الفاسدة أو غير الطاهرة، كما أننا نرفض البيئة المادية غير النظيفة، نريد بيئة معنوية طاهرة وبيئة مادية نظيفة, فهيا إلى تطير البيئة المعنوية وتنظيف البيئة المادية، عند ذلك يمكن أن ندّعي إلى الإسلام وأن نكون ونحن ندعي انتسابنا إلى الإسلام صادقين بعض الشيء, وسيكون لنا لقاء في الأسبوع القادم حول الحديث عن البيئة المعنوية الطاهرة، وسنورد أحاديث تتعلق بالأخلاق وبكل ما يدلل على طهارة البيئة المعنوية كما تحدثنا عن كل ما يؤشر ويعرب ويدلل على البيئة المادية النظيفة.

اللهم وفقنا لإنتاج بيئة معنوية طاهرة وبيئة مادية نظيفة، اللهم حببنا للنظافة وحبب النظافة لنا، اللهم حببنا للطهارة وحبب الطهارة لنا، حببنا للطهر وكره إلينا العهر والفسوق والعصيان والقذارة والوساخة وإراقة الدماء والقتل والتشريد والاضطراب والقلق وحبب إلينا الأمن والأمان والسلم والإسلام والنظافة والطهارة يا رب العالمين، نعم من يسأل، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.



رابط ذو صله : http://www.islamdoor.com/kotob3/alnzafa.htm
القسم : الفقه
الزيارات : 1241
التاريخ : 8/4/2010
Powered by: Islamec magazine V6 bwady.com - nwahy.com

design by mashari alnoori