مكتبة مركز الخليج الإسلامية




من جهود السلف في الدعوة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: أيها المسلمون: إن الدعوة إلى الله أجرها عظيم وهي وظيفة الرسل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعلي يوم خيبر : (أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) خير لك من هذه الإبل العظيمة عند العرب. ويكفي الداعية إلى الله تعالى أن له مثل أجور من اتبعه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) رواه مسلم . وروى أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) وهذا ترغيب وحث ودفع للدعوة إلى الله. وكذلك فإن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير، فماذا نريد من الأجر أكثر من هذا يا عباد الله؟! ونحن قد أصبنا فيما أصبنا بالتقصير في الدعوة إلى الله، وعدم الحرص على هداية الناس، مع عظم هذه العبادة. لما تركت الدعوة تفشت المنكرات والمحرمات، وصار كثير من الناس في عمى وضلال، لقد كان أنبياء الله في غاية الحرص على هداية الناس إلى السبيل القويم.



صور من دعوة الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى:

إن الدعوة إلى الله دليل على إخلاص الإنسان لمبادئه، فإذا كنت تحب دينك فعلاً فستكون حريصاً على الدعوة إليه، إذا كنت معتنقاً لمبادئ الإسلام حقاً فستكون حريصاً أشد الحرص على منادات غيرك إليه.



دعوة نوح عليه السلام لقومه:

ولذلك كان نوح عليه السلام في غاية الحرص على دعوة قومه: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً [العنكبوت:14] يدعوهم إلى الله من غير فتور ولا توانٍ مستخدماً بجميع الأساليب الممكنة: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً [نوح:5-7] هل صده ذلك عن الدعوة؟ هل منعه إعراض المعرضين عن الاستمرار في العمل؟ كلا والله قال الله: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً [نوح:8-9] فنوع أساليب الدعوة، ودعاهم بالليل والنهار، ودعاهم جهرة ثم أسر لهم سراً، وجمع لهم بين الأسلوبين في غاية الجد والنصح وتبليغ الرسالة.



يوسف عليه السلام في الدعوة إلى الله:

وهذا يوسف عليه السلام لما أدخل السجن لم ينس في كربة السجن وغربته وظيفته ومهمته، بل شرع يمارس ذلك بسرعة وفي أقرب فرصة، قال تعالى: وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] على محياه سيما الصلاح، إنا نراك من المحسنين، كان داعية بعمله وبسمته: قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا [يوسف:37] ثم ذكر مباشرة الدعوة إلى التوحيد: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف:37-39]. شرع في الدعوة إلى الله في ذلك المكان، في ضيقه وكربته، ووحشته وظلمته، قائماً بأمر الله، داعياً إلى الله عز وجل، حريصاً على هداية هذين الرجلين الكافرين.



قصة الرجل الساعي من أقصى المدينة:

ألم يأتكم نبأ الرجل المسلم الذي قال الله في شأنه: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً [يس:20-21] وسارع يدعوهم إلى التوحيد: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ [يس:23] أي: هذه الأوثان المعبودة، والأصنام المقصودة: لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [يس:23-25]. إن كل كلمة في هذه الآية لها معناها ومدلولها، وجاء رجل، أي: تحققت فيه صفات الرجولة بأجمعها: مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ ليس من مكان قريب، لم يحضر عندهم وإنما جاءهم من أقصى المدينة، وكيف جاءهم؟ هل جاءهم ببطء؟! جاءهم يسعى سعياً حثيثاً. فلأي شيء جاء من أقصى المدنية وأتعب نفسه؟ جاء ليبلغ قومه دين الله عز وجل، يقول: يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ كان حريصاً على هداية قومه، ولما مات تتابع حرصه عليهم بعد موته، سبحان الله! ولذلك قال لما قتلوه بعدما لقي الله: قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ [يس:26-27] لا زال حريصاً عليهم، بعد موته وبعد انقطاعه عن الدنيا لا زال يتمنى أن قومه يعلمون ما لقيه من الله، وما غفر الله له، والإكرام الذي وجده عند ربه، إنه الحرص في قلب هذا الرجل على هداية قومه.


النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته لقريش والعالم أجمع:

عباد الله: لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل في حرصه على هداية قريش والعرب؛ بل والناس أجمعين، وكان يدعو فوق الجبل، وفي المسجد والطريق وأسواق العرب، ومنازل الناس، وفي مواسم الحج، يقوم بالدعوة إلى الله في الحضر والسفر، وفي الأمن والقتال، والصحة والمرض، وعندما يزور أو يزار، وكان يوجه دعوته إلى من أحبوه وإلى من أبغضوه، ولذلك كان يذهب إلى منازل الناس للدعوة في منى ، إذا نزلت القبائل فيها في موسم الحج، ولذلك يقول ربيعة بن عباد الدؤلي : (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منى في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول: يا أيها الناس! إن الله أمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، ووراءه رجل وضيء أحول يقول: يا أيها الناس! إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم). النبي عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الله ووراءه رجل من الكفار يثبطه ويثبط الناس عن قبوله، النبي عليه الصلاة والسلام يكلمهم وهذا الرجل يصدهم، فسألت عن هذا الرجل؟ فقيل لي: أبو لهب ، عمه، يمشي وراءه يثبط الناس عن الدعوة، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يفتر عنها، ويقول للناس في أسواق الموسم، في مجنة و عكاظ ، من يؤويني ومن ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي؟ حتى أكرمه الله بذلكم النفر الكرام من الأنصار الذي بايعوه في العقبة وكان ذلك فتحاً وانطلاقةً عظيمة في الدعوة إلى الله عز وجل.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب ليدعو حتى عبد الله بن أبي المنافق الكافر الذي صد عن الدين، ويركب حماراً وينطلق المسلمون يمشون معه في أرض سبخة مالحة، لا تنبت الأرض من ملحها، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال المنافق: إليك عني! والله لقد آذني نتن حمارك، ومع ذلك يقوم النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة،
ولما سمع أن رجلاً من اليهود -شاباً- مرض، حرص على زيارته والاهتمام بدعوته، وكان قد دعاه إلى الإسلام فعاده، كما روى البخاري في صحيحه عن أنس قال: (كان غلاماً يهودياً فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم- فأنقذه الله به من النار). وحضر أبا طالب حين نزل به الموت يدعوه إلى الله يقول: (يا عمِ! قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله) ولكن غلبت على أبي طالب الشقوة وأطاع أصحاب السوء ورفقاء السوء الذين قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزالوا به حتى مات على الشرك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له إلى آخر لحظة: قل لا إله إلا الله، قل لا إله إلا الله، كان حريصاً على أن تختتم حياة أبي طالب بالتوحيد، الحرص هو الذي جعله يذهب هذا المذهب ويجهد هذا الجهد رضي الله تعالى عن أصحابه الذي حملوا لواء الدعوة من بعده.

النبي صلى الله عليه وسلم دعا، ولقي الأذى. النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى الطائف للدعوة، يذهب إلى جبالها وأهلها يدعوهم إلى الله، يرجع وقد أصابه من الغم ما أصابه؛ لأنهم صدوه ورفضوه، حتى بلغ به الهم أنه يمشي لا يدري أين مقصده، ولم يستفق صلى الله عليه وسلم إلا وهو بـقرن الثعالب ؛ وهو موضع قريب من مكة ، وهو قرن المنازل ميقات أهل نجد ، وقف عنده صلى الله عليه وسلم، وكان في غاية الغم، لا يدري إلى أين يمشي، فلماذا كان مغموماً؟ لأنهم صدوه ولم يقبلوا دعوته، ولذلك فإن من صدق الداعية أن يحزن إذا رفض الناس دعوته، لكنه لا يهلك نفسه عليهم: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3] أي: لعلك مهلك نفسك من أجل أنهم لم يؤمنوا، ما دام أن الله كتب عليهم الشقوة فإنك لا تهدي من أضل الله، لكن بذل الأسباب والقيام بالأمر وإبلاغ الدين والذهاب إلى الناس في أماكنهم وبلدانهم يدعوهم إلى الله.

ولما كانت هناك بلاد بعيدة يشق عليه صلى الله عليه وسلم أن يذهب إليها، ولا يمكنه ترك الناس لأجل ذلك أرسل الرسائل، لم يقل: بلاد بعيدة لا أستطيع الذهاب والسفر إليها وإنما أرسل الرسائل، لكسرى وقيصر، يرسل إلى النجاشي ، يرسل إلى المقوقس ملك الإسكندرية ، يرسل إليهم يدعوهم إلى الله: (من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بداعية الإسلام -أي: بدعوة الإسلام- أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين) إثم العمال والزراع والناس في بلدك؛ لأنك قد صددتهم: (وختم له بالآية: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64]).

أرسل عليه الصلاة والسلام الرسائل مع أصحابه، عبد الله بن حذافة ينطلق إلى كسرى، وسليط بن عمرو ينطلق إلى هوذ بن علي في اليمامة ، والعلاء بن الحضرمي ينطلق إلى المنذر بن ساوى بـهجر ، وعمرو بن العاص إلى جيح ، وأبو عباد بن الجلندي بـعمان، ودحية إلى قيصر ، وشجاع بن وهب إلى شمر الغساني ، وعمرو بن أمية إلى النجاشي ، وهكذا يرسل صلى الله عليه وسلم الرسائل من أجل الدعوة إلى الله، والحرص على هداية الناس، والسعي في غرض الإسلام؛ علّ الله تعالى أن يخرج أولئك الناس من الظلمات إلى النور.



هدي السلف في الدعوة إلى الله:

أيها المسلمون: لقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم من بعده وفي حياته قائمين بأمر الدعوة إلى الله، حريصين على هداية الناس كل الحرص، ولذلك كانوا قبل القتال -حتى في المعارك- وهم يهاجمون فارس والروم وفي حروب المرتدين يعرضون عليهم الإسلام أولاً قبل القتال، لأنهم أصحاب رسالة رحمة، يريدون قبل أن تراق دماء القوم ويقتلوا ويرسلوا إلى جهنم وبئس المصير، يريدون المحاولة الأخيرة علَّ الله أن يهديهم، ولذلك كتب أبو بكر إلى جميع المرتدين، يأمرهم بالرجوع إلى الإسلام، يقول لهم: [إني بعثت إليكم فلاناً في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرته أن لا يقاتل أحداً ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكفّ وعمل صالحاً قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك] الدعوة قبل القتال، ولذلك كتب إلى سعد بن أبي وقاص الخليفة الثاني من بعده، الفاروق رضي الله عنه يقول: [وقد كنت أمرتك أن تدعو من لقيت إلى الإسلام قبل القتال، فمن أجاب إلى ذلك قبل القتال فهو رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، وله سهم في الإسلام ].

وكذلك فإن هذه الدعوة قد آتت بعض ثمارها، فقد عاد مع عدي بن حاتم الطائي الذي دعا قومه قبل القتال، رجع معه خمسمائة مقاتل إلى الإسلام، وكان خالد يهم بقتالهم ولكن وجه إليهم عدياً يدعوهم أولاً. وفي جبهة فارس دعا خالد بن الوليد رضي الله عنه أشراف الحيرة قبل القتال؛ فأسلم بعضهم. وكتب خالد إلى ملوك فارس يقول: [بسم الله الرحمن الرحيم من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس ، أما بعد: فالحمد لله الذي حل نظامكم ... إلى أن قال: فادخلوا في أمرنا ندعكم وأرضكم ونجوزكم إلى غيركم، وإلا كان ذلك نأخذها وأنتم كارهون على غلب، وبالإكراه والقوة على أيدي قوم يحبون الموت كما تحبون الحياة] ودعا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أهل القصر الأبيض إلى الإسلام بواسطة سلمان الفارسي الذي يعرف لغة القوم رضي الله عنه، يدعوهم إلى الإسلام والتوحيد.


وكذلك قام المسلمون في الجبهات الأخرى، فهذا عمرو بن العاص في الجبهة المصرية، لما تصافّ المسلمون وأهل مصر للقتال قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: [لا تعجلوا حتى نعذر، ليبرز إليّ أبو مريم و أبو مريام راهبا هذه البلاد، فبرزا إليه، فقال لهما عمرو بن العاص : أنتما راهبا هذه البلاد فاسمعا. إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأمره به وأمرنا به محمد صلى الله عليه وسلم، وأدى إلينا كل الذي أمر به ثم مضى وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام فمن أجابنا إليه فمثلنا، ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة] أي: الحماية في مقابل دفع الجزية. وكان الرجل عندما يسلم يفرح به المسلمون فرحاً شديداً، ولذلك دعا أبو عبيدة رضي الله عنه رسول الروم، السفراء كانوا يدخلون في نطاق الدعوة، فلما أسلم فرح المسلمون بإسلامه وصافحوه ودعو له بخير، وقالوا له: [ما أعزك علينا وأرغبنا فيك، وأكرمك علينا، وما أنت عند كل امرئ منا إلا بمنزلة أخيه لأمه وأبيه] احتفاء بالمسلم الجديد، حتى قال الرومي: فإنكم نِعْمَ ما رأيت. هذا هو الانطباع الذي يكون عند المسلمين بفرحهم بدخول شخص جديد في الإسلام.


وعندما دعا خالد رضي الله عنه بعض الكفرة إلى الإسلام أو الجزية أو القتال، فاختاروا أداء الجزية لم يفرح خالد رضي الله عنه بذلك، رغم أن مبلغ الجزية كان كبيراً باعتبار أن عددهم كان مائة وتسعين ألفاً، بل ضاق صدره وتأسف على إعراضهم عن الإسلام وقال: [تباً لكم، ويحكم إن الكفر فلاة مضلة، فأحمق العرب من سلكه] لم يفرح بالعوائد المالية؛ لأنه كان يريد فرحة أكبر بإسلام أولئك القوم، كان الحرص من الداخل على الهداية لدرجة أن الرجل الكافر إذا أسلم تحصل فرحة عظيمة، وإذا رفض الإسلام يحصل اهتمام واغتمام، ولذلك روى زياد بن جزء الزبيدي الذي كان في جند عمرو بن العاص لما ألقوا القبض على أسرى الروم، يقول: جعلنا نأتي بالرجل ممن في أيدينا، ثم نخيره بين الإسلام والنصرانية ، فإذا اختار الإسلام كبرنا تكبيرة هي أشد من تكبيرنا حين تفتح القرية، ثم نحوزه إلينا، وإذا اختار النصرانية نخرت النصارى ثم حازوه إليهم، ووضعنا عليه الجزية، وجزعنا من ذلك جزعاً شديداً، حتى كأنه رجل خرج منا إليهم، مع أنه كافر أصلي، لكنه الحرص على الدعوة والفرح للإسلام، والحزن على إصراره على الكفر ولو كان يدفع الجزية؛ لأن الله بعثهم دعاة ولم يبعثهم جباة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يقوم بأمره، اللهم اجعلنا ممن يقومون بالحق وبه يعدلون، يا رب العالمين. اللهم ارزقنا السداد في القول والعمل، واهد قلوبنا، وطهر أنفسنا، وحصن فروجنا إنك سميع الدعاء. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



طرق انتشار الإسلام في المناطق النائية :

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنزل علينا الكتاب والحكمة وأرسل إلينا رسولاً منا، الحمد لله الذي شرع الشرائع، الحمد لله على كل حال، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً رسول الله، إمام الدعاة إلى الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، صلى الله وسلم عليه بما علمنا وهدانا، وصلى الله على أصحابه الغر الميامين الذين قاموا بأمر الدعوة إلى الله وكانوا حريصين على هداية الخلق أجمعين. أيها المسلمون: قولوا لنا كيف انتشر الإسلام في تلك الجزر النائية؟ في الصين و أندونيسيا؟

كيف انتشر الإسلام في عدد من أقطار الأرض؟ إنما انتشر بالدعوة إلى الله تعالى، وكانت المدن الهندية الواقعة على ساحل بحر العرب مما استهدفه التجار المسلمون بالدعوة إلى الله، ولذلك لا زالت آثارهم موجودة في بونبي وغيرها من هذه البلدان الساحلية التي قصدها المسلمون بالتجارة، وشهد بجهدهم في الدعوة أعداء الله، فهذا آرلند يقول في كتابه: ولكن الكثير من أعمال الدعوة في الأسواق إنما يقوم بها أشخاص يشتغلون في مهنة أو عمل في أثناء ساعات النهار، ويخصصون أوقات فراغهم في المساء لهذا العمل الديني، فكان الواحد منهم إذا انتهى من عمله لا يذهب إلى الفرجة والفسحة، لا يذهب إلى مجالس ضياع الأوقات والألعاب وإنما كان يذهب بعد انتهاء العمل والدوام، يطوف للدعوة إلى الله عز وجل.

وقال في موضع آخر: وأغلب الظن أن الإسلام قد عبر من مليبار إلى جزر لكديك و ملديك في خليج البنغال ، التي كافة أهلها مسلمون، ويدين سكان هذه الجزر بدخولهم في الإسلام إلى تجار العرب الذين استوطنوا هذه البلاد، وتصاهروا إلى الأهالي ومهدوا ذلك بذلك السبيل؛ لنشر تعاليم الدعوة في نشاط وقوة، وقالوا أيضاً: إن أولئك الدعاة إلى الله دخلوا فاتحين أجزاء الصين و أفريقيا الوسطى و روسيا ، وتم اعتناق هذه الملايين للإسلام طوعاً لا كرهاً، ولم يسمع أن الضرورة قضت بإرسال جيوش مع هؤلاء المبشرين لمساعدتهم. وهكذا قام المسلمون بالدعوة إلى الله، إلا رجلاً ممن سرق حُراً فبيع عبداً في بلد من بلاد المسلمين واسمه دارثي يقول: لما سئل وقد سرق في طفولته فبيع رقيقاً قيل له: ألا تزال تضمر السخط نحو هؤلاء الذين سرقوك وأسلموا حياتك للعبودية في أقاصي الأرض؟ فأجاب: إن شيئاً واحداً قد عوضني وهو أني لم أعد غارقاً في الجهل بين عباد الأوثان. إذاً الذي عوضه عما حصل له من الجريمة في حقه من هؤلاء المعتدين الذين اعتدوا عليه أنه صار موحداً ولو كان عبدا،ً يختار ذلك على أن يكون حراً في بلاد عبدة الأوثان.


وكان المسلمون إذا جاءوا بلاداً بنوا المساجد فيها، وكانت صروح العبادة دعوة إلى الله بحد ذاتها، حتى قال بعض الكفرة: ما دخلت مسجداً قط دون أن تهزني عاطفة حادة، ودون أن يصيبني أسف محقق على أنني لم أكن مسلماً، وهذا مما يراه ويشاهده في مكان العبادة هذه.

وقال بعض الكفار: كلما جاء ستة أو نحو ذلك من الرجال المسلمين إلى بلد سارعوا إلى بناء مسجد، لأجل أن يكون منارة للدعوة إلى الله عز وجل، كانت الحماسة والإخلاص في الدماء تسري، حتى إن رجلاً من الذين كانوا يشتغلون في دعوة النصارى إلى الإسلام، لما حضرته الوفاة في آخر لحظة من حياته وهو يحتضر سمعه بعض الناس يقول وهو على فراش الموت: اترك دينك وصر مسلماً، اترك دينك وصر مسلماً، فلما سئل من حوله عن ذلك قالوا: إنه يتحدث إلى النصراني، هذا الذي كان يشغل قلبه في حياته برز على لسانه حين وفاته. الدعوة إلى الله، الهم الذي في قلبه الدعوة إلى الله، الحرص على هداية الناس. أيها المسلمون كم قصرنا؟ كم يوجد عندنا من العمالة الأجنبية من الكفار؟ كم عدد الموظفين والسائقين والخدم وأصحاب المهن والحرف والفنيين وغيرهم وماذا فعلنا لهم؟



الحث على الدعوة إلى الله:

نحن نصادفهم ونواجههم ونحتك بهم يومياً فماذا قلنا لهم؟ وهل تظنون أن الله سيتركنا يوم القيامة، أو أنه سيغفلنا عز وجل، أو أنه لن يسائلنا عما قدمنا وفعلنا؟ وقد حلوا بينكم فماذا أنتم فاعلون؟ وماذا ستجيبون الله تعالى يوم الدين؟ العتب العتب على من كان عنده كافر لماذا جلبه؟ ثم العتب العتب العتب لما صار معه فلم يكلمه عن الإسلام ولا مرة، وما هي الجهود التي بذلناها؟! أين الحرص على هداية الخلق؟ أين السعي إلى الدعوة إلى الله؟ إذا كنا مسلمين حقاً أفلا ينبغي أن تتحرق نفوسنا لنشر هذا الدين وتقديمه للناس؟! وهؤلاء الذين يذهبون ليصطافوا في بلدان متفرقة ماذا فعلوا للدعوة إلى الله؟ العتب العتب على السياحة في أرض الكفار، والعتب العتب أنهم لا يكلفون أنفسهم بدعوة، بكلمة، بعبارة يحاولون بها إدخال الناس في دين الله.



نسأل الله أن يغفر لنا ما فرطنا وأن يتجاوز عنا إسرافنا في أمرنا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا يا غفور رحيم، وكفر عنا سيئاتنا يا أكرم الأكرمين. اللهم إن نسألك الغوث العاجل لإخواننا المستضعفين، اللهم أغثهم يا أرحم الراحمين، عجل فرجهم وأنزل نصرك عليهم، وأغثهم ببركات من عندك، اللهم اشف جرحاهم، اللهم ارحم موتاهم، وأطعم جائعهم، واكس عاريهم، واحمل حافيهم، آمنهم في أوطانهم وفي دورهم، وادفع عنهم كيد عدوهم. اللهم شتت شمل الصرب واليهود وسائر النصارى ومن مالأ على ذبح المسلمين يا رب العالمين. اللهم اجعل بأسهم بينهم واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم. اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً، اللهم دمرهم تدميراً، وزلزل الأرض من تحت أقدامهم، وأنزل عليهم عذاباً من فوقهم، أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم إنا نسألك في هذا اليوم العظيم في هذه الساعة المباركة أن تعجل بنصر إخواننا وأن تعجل بتدمير أعدائهم، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، اللهم اجعلنا في بلدنا هذا آمنين مطمئنين. اللهم اجعلنا سلماً لأوليائك حرباً على أعدائك، اللهم أصلحنا وأصلح أهلينا وذرياتنا، وأصلح بيوتنا ومجتمعاتنا ومجتمعات المسلمين. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 



رابط ذو صله : http://www.islamdoor.com/kotab8/salef.htm
القسم : الآداب والأخلاق
الزيارات : 1124
التاريخ : 8/4/2010
Powered by: Islamec magazine V6 bwady.com - nwahy.com

design by mashari alnoori